السيد حيدر الآملي
230
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
جَنَّةُ الْخُلْدِ [ سورة الفرقان : 15 ] ، وجَنَّةُ الْمَأْوى [ سورة النجم : 15 ] ، وجَنَّاتِ عَدْنٍ [ سورة مريم : 61 وفي سور كثيرة ] ، ودارُ السَّلامِ [ سورة الأنعام : 127 ] ، ودارُ الْقَرارِ [ سورة غافر : 39 ] ، وجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ سورة آل عمران : 133 ] ، ومن وراء الكلّ عرش الرّحمن ذي الجلال والإكرام . ( سكّان الجنان وخزّانها ) إذا عرفت ذلك ، فاعلم ، أنّ لهذه الجنان سكّانا وخزّانا من الملائكة . أمّا السّكان ، فهم الَّذين عند ربّك لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ، يسبحون اللَّيل والنّهار لا يفترون ، وهم الَّذين ( 94 ) يتلقّون عباد اللَّه الصالحين ، بالشّفقة والبشارة بالجنّة ، وذلك أنّ الإنسان الطائع إذا أكملت طاعته وبلغ النهاية في الصورة الإنسانيّة واستحقّ بأعماله الصالحة وما اكتسبه من الأفعال الزكيّة صورة ملكيّة ، ورتبة سماويّة تلقّيه الملائكة الطيّبون بالرأفة والرّحمة والشفقة ، وتقبّلوه بالروح والرّيحان ، وقبلوه كما تقبل القوابل والرايات أولاد الملوك بفاخر أمور الدّنيا وطيّبات روائحها من مناديل السندس والإستبرق ، وبالفرح والسرور ، ومرّوا به إلى الجنّة فيعاين من البهجة والسرور ما لا عين رأت ( 95 ) ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب
--> ( 94 ) قوله : فهم الَّذين . اقتباس من القرآن الحكيم ، سورة الأنبياء ، الآية 19 - 20 : * ( وَلَه ُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَه ُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِه ِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ) * . ( 95 ) قوله : ما لا عين رأت . هذه العبارة مقتبسة من حديث قدسيّ ورد في بيان درجة بعض المؤمنين ومنزلتهم في الجنّة يوم القيامة ، وهذا لوجود بعض الأعمال والأوصاف عند هؤلاء المؤمنين الذين يوجب وصولهم إلى هذه الدرجة ، ولا بأس هنا بذكر قسم من تلك الأعمال الَّتي سينال صاحبها تلك المكانة في الجنان : منها ، أنّها أجر لمن أحبّه اللَّه سبحانه وإكرامه له ، روي هذا عن رسول اللَّه ( ص ) في حديث في زواج فاطمة ( ع ) ، قال رسول اللَّه ( ص ) في ذلك الحديث : « يا عليّ إنّ اللَّه إذا أحبّ عبدا أكرمه بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فقال عليّ : يا ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك الَّتي أنعمت عليّ ، فقال النبيّ ( ص ) آمين آمين » . بحار الأنوار ج 104 ، ص 88 ، الحديث 53 ، ودلائل الإمامة لأبي جعفر الطبري ، ص 13 ، ومسند فاطمة ( ع ) ، ص 179 . منها ، أنّها ثواب زيارة قبر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( ع ) ذكره المجلسي في البحار ج 100 ، ص 120 ، الحديث 22 ، نقلا عن كتاب « فرحة الغري » ، بإسناده عن الباقر ( ع ) ، عن آبائه ، عن رسول اللَّه ( ص ) ، قال : « يا عليّ ! . . . ومن زار قبوركم عدل ذلك ثواب سبعين حجّة بعد حجّة الإسلام ، وخرج من ذنوبه حتّى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته امّه ، فأبشر وبشّر أولياءك ومحبّيك من النعيم وقرّة العين بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . منها ، أنّها أجر كلّ من استشهد في الجهاد ، روي هذا عن الرضا ( ع ) ، عن آبائه ( ع ) ، عن أمير المؤمنين ( ع ) ، عن رسول اللَّه ( ص ) ، قال : « وإذا زال ( فإذا أزيل ) الشهيد عن فرسه بطعنة أو ضربة لم يصل إلى الأرض حتّى يبعث اللَّه عزّ وجلّ زوجته من الحور العين فتبشّره بما أعدّ اللَّه له من الكرامة ، فإذا وصل إلى الأرض تقول له : مرحبا بالروح الطيّبة الَّتي أخرجت من البدن الطيّب ، أبشر فإنّ لك ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ويقول اللَّه عزّ وجلّ : أنا خليفته في أهله ، ومن أرضاهم فقد أرضاني ، ومن أسخطهم فقد أسخطني » ، الحديث . بحار الأنوار ج 100 ، ص 12 ، الحديث 27 ، وصحيفة الإمام الرضا ( ع ) ، ص 91 ، الحديث 27 . منها ، أنّها ثواب الصدقة في رجب ابتغاء وجه اللَّه تعالى ، رواه الصّدوق في « الأمالي » ، ص 435 ، الحديث 1 ، بإسناده عن أمير المؤمنين ( ع ) ، قال : « من تصدّق بصدقة في رجب ابتغاء وجه اللَّه ، أكرمه اللَّه يوم القيامة في الجنّة من الثواب بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . منها ، أنّها أجر من يصلَّي يوم الخميس ركعتين ، رواه السيد الجليل ابن طاوس المتوفّى 664 ه في كتابه « جمال الأسبوع » ص 78 ، عن رسول اللَّه ( ص ) ، قال : « من صلَّى يوم الخميس ركعتين ، يقرأ في الركعة الأولى الحمد مرّة وثلاثمائة مرّة قل هو اللَّه أحد ، وفي الركعة الثانية الحمد مرّة ومائتي مرّة ( ويأتي مرّة ) قل هو اللَّه أحد ، بنى اللَّه له ألف ألف مدينة في جنّة فردوس ، وما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلوب المخلوقين » ، الحديث . بحار الأنوار ج 90 ، ص 312 ، الحديث 42 . منها أنّها ثواب قراءة الدعاء المعروف بدعاء يستشير ، ذكره السيد الجليل ابن طاوس في كتابه « مهج الدعوات » ص 122 ، أوّله : بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم ، الحمد للَّه الَّذي لا إله إلَّا هو الملك الحقّ المبين المدبّر بلا وزير ولا خلق من عباده يستشير . . . الدعاء ، رواه السيد الجليل المذكور ، بإسناده عن مولانا أمير المؤمنين ( ع ) ، عن رسول اللَّه ( ص ) ، قال : « ومن دعا به ثلاث مرّات لا يسأل اللَّه عزّ وجلّ اسمه شيئا من الخير في الدنيا والآخرة إلَّا أعطاه سؤله بهذا الدّعاء ، ومنحه إيّاه بابن آدم وينجّيه اللَّه عزّ وجلّ من عذاب القبر ، ويصرف اللَّه عزّ وجلّ عنه ضيق الصّدر ، فإذا كان يوم القيامة ، وافى صاحب هذا الدّعاء على نجيبه من درّة بيضاء فيقوم بين يدي ربّ العالمين ، ويأمر اللَّه عزّ وجلّ له بالكرامة كلَّها ، ويقول اللَّه تبارك وتعالى : عبدي تبوّأ من الجنّة حيث تشاء ، مع ما له عند اللَّه عزّ وجلّ من المزيد والكرامة ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلوب المخلوقين ولا ألسنة الواصفين » . بحار الأنوار ج 86 ، ص 330 ، الحديث 71 . منها ، أنّها ثواب قطرة من الدّمع الَّتي ذرفت من العين من خشية اللَّه تعالى ، رواه الصّدوق ( رض ) في كتابه « ثواب الأعمال » ص 344 ، الحديث 1 ، بإسناده عن ابن عبّاس ، عن رسول اللَّه ( ص ) في حديث طويل ، قال : « ومن ذرفت عيناه من خشية اللَّه كان له بكلّ قطرة من دموعه مثل جبل أحد يكون في ميزانه ، وكان له من الأجر بكلّ قطرة عين من الجنّة ، على حافّتيها من المدائن والقصور ما لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » . راجع أيضا « الأمالي » للصّدوق ( رض ) ، ص 351 . منها ، أنّها منزلة لمحبّي عليّ ( ع ) يوم القيامة في الجنّة ، ورواه المجلسي في « البحار » ج 41 ، ص 170 ، الحديث 7 ، عن الراوندي في « الخرائج » ، بإسناده عن ابن عبّاس ، عن النبيّ ( ص ) قال مخاطبا لعليّ ( ع ) : « أبشر فانّ لك ولمحبّيك ولشيعتك ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . منها ، أنّها ثواب من صام من رجب أربعة عشر يوما ، رواه الصّدوق ( رض ) في « الأمالي » ، بإسناده عن أبي سعيد الخدري ، عن النبيّ ( ص ) قال : « ومن صام من رجب أربعة عشر يوما أعطاه اللَّه من الثواب ما لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر من قصور الجنان الَّتي بنيت بالدرّ والياقوت » . بحار الأنوار ج 8 ، ص 170 ، الحديث 113 . منها ، أنّها ثواب نفس من أنفاس مولانا أمير المؤمنين ليلة بيتوتته على فراش رسول اللَّه ( ص ) ، رواه المجلسي عن التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري ( ع ) ، عن النبيّ ( ص ) ، قال في الحديث : « فيقولون : يا أخا رسول اللَّه : تجعل لنا بإزاء ظلامتنا قبله ثواب نفس من أنفاسك ليلة بيتوتتك على فراش محمّد ( ص ) ، فيقول عليّ ( ع ) : قد وهبت ذلك لكم ، فيقول اللَّه عزّ وجلّ : فانظروا يا عبادي الآن إلى ما نلتموه من عليّ ، فداء لصاحبه من ظلاماتكم ، ويظهر لهم ثواب نفس واحد في الجنان من عجائب قصورها وخيراتها ، فيكون ذلك ما يرضي اللَّه به خصماء أولئك المؤمنين ، ثمّ يريهم بعد ذلك من الدرجات والمنازل ما لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على بال بشر » . الحديث . بحار الأنوار ج 8 ، ص 60 . ومنها ، أنّها منزلة للعباد الصالحين في الجنّة ، روي هذا عن النبيّ ( ص ) ، قال : « قال اللَّه تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » . رواه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير في سورة السجدة ، باب 443 ، الحديث 1203 ، ج 6 ، ص 481 ، ورواه الحنبلي في مسنده ج 2 ، ص 313 وص 438 ، ورواه مسلم في صحيحه ، كتاب الجنّة ، ج 4 ، ص 2174 ، الحديث 2 و 3 و 4 و 5 . انظر في هذا الحديث أيضا تعليقنا الرقم 65 في الجزء الأوّل من تفسير المحيط الأعظم ص 307 .